جميلة هي ذكريات الطفولة بكل حالتها. وحينما أستعيد ذكريات زياراتي  للحجاز بطفولتي لا يفارق مخيلتي مشهد الحجة التكرونية التي تضع قطعة قماش فوق رأسها ليستوي متجرها البسيط الذي تحمله في كل مكان بتنوع محتوياته, وإن كانت جميع محتوياته تستهوينا ونحن صغار. وصوتها وهي تُحرّج على هذه البضاعة وتجلب الأطفال بلحن لطيف.

ولكن مكة الآن شبه خالية من أي تكرونية تبحث عن لقمة العيش العفيفة ببسطتها المتواضعة لتبيع فصفص, وماء بارد, وأنواع من الحلويات قد لا تجدها في أي بقالة.

وبدلاً من الموية البارد تجد : واهد ريالا, أأطيني ريالا. وعلى باب المطعم تجد ذالك الثور يقول لك : جيئآآآآآن وما مآي فلوس. والغريب أن يتواجد هذا الجيئآآآآن هو وأمه كل يوم أمام نفس المطعم الذي يرتاده بكثرة أفراد من الشرطة والجوازات.

الحمد لله على النعمة التي نعيشها. ولكن الحال التي وصل لها هؤلاء الأفارقة في مكة لا يسكت عنها.. قسم بالله مشاكل جدة وغربان جدة وحمى الضنك أهون من ظاهرة التسول الحاصلة بمكة الآن.

الموضوع يفوق الوصف. في حياتي لم أرى التسول بهذا الشكل.

إذا توقفت عند مطعم أو سوبرماركت أو أي محل فكن مستعداً لعشرين طفل يتقافزون حولك ينادون بـ “واهد ريالااا”

وأمام كل صيدلية ومخبز ستجد الحجات مفترشات الأرض بأطفالهم الرضع.

وإن تهورت وأعطيت أحدهم ريال واحد فقط فستجد البقية يركضون نحوك بشكل مربك ومخيف ليأخذوا نصيبهم منك كأنك ملزم بالدفع لهم.

انصدمت حينما علمت من أهل مكة ان هذا هو الوضع السائد طوال العام. كنت أعتقد ان هذه الظاهره في الإجازة فقط لتصيد الزوار من خارج مكة.

حالياً من يبحث عن حجة تكرونية لتعمل بمنزله لن يجد إلا بشق الأنفس, لم يعد العمل في المنازل يغريهم, وأصبح التسول مهنتهم.

كان لهذه الفئة المتخلفة عن السفر والمخالفة لأنظمة الإقامة فائدة ودور في المجتمع ويعملون ويكدون لكسب لقمة العيش. أما في الوقت الحالي استنكفوا عن العمل وامتهنوا التسول. كيف أتصدق على شخص قادر على العمل وتركه بإرادته وأكون داعم لهم على هذا التصرف !!

لا أعتقد أن الشرطة والجوازات وأهل مكة أنفسهم عاجزون عن طردهم عن الأماكن العامة على الأقل والحد من هذه الظاهرة المنفرة والتي تعكس صورة سلبية عن البلد لدى الحاج والمعتمر.

إن أردت دفع صدقة فبالتأكيد لن أمنحها لمن يمتهن التسول وأعلم يقيناً أنه يجني مبالغ كبيرة من تسوله أمام الإشارات خصوصاً في الشهر الفضيل.

المسألة ليست عنصرية, ولكن رفض للظاهرة سواءً أتت من النيجيريين أو أي جنسية أخرى.

لا يحس بحجم المشكلة إلا من يرى الوضع الحاصل بمكة الآن. كأن البلد يخلو من أجهزة أمنية وأجهزة مكافحة تسول !!